تفسير مثل الـ ١٠ عذاري - من المكتوم الي وقت النهاية

 


 

 

"الكَلِمَاتِ مَخفيَّة وَمَختومَة"

(دا ٩:١٢)

 

المقدمة

ما المقصود بمثل الرب عن ملكوت السماوات الذي شبّهَهُ بعشر عذارى، منهنّ حكيمات ومنهنّ جاهلات؟

هل يقصد الرب أن المؤمن يجب علي أن يكون علي استعداد دائم لمجيئه؟

وهل المؤمن ينتظر مجيء الرب؟

وهل الزيت هو اشارة للروح القدس؟ وهل غير المؤمن يسكن فيه الروح القدس فيكون غير كافٍ عند مجيء الرب يسوع كالعذارى الجاهلات؟

(١) التدرج الإعلاني كطريقة إلهية

(١) على الصعيد الإقليمي مع الأمة اليهودية قال يوحنا، "لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا" (يو ١٧:١). فلحكمة الله هناك تدبير أو إعلان لكل فترة زمنية. ففي وقت من الزمان أعطي الله الشريعة لموسى بما تحتويه من شرائع أخلاقية ومدنية وطقسية، وفي وقت من الزمان أرسل الله ابنه الرب يسوع لتتميم الخلاص. فكل مرحلة زمنية لها اعلان من الله للبشر.

بالإضافة إلى هذا، أعطي الرب إعلان واضح لدانيآل في الإصحاح السابع من نبوته في صورة رؤيا. فرأي دانيآل أسداً ودباً ونمر وحيوان هائل وقوي وشديد جداً، ثم يأتي "مِثْلُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ" (دا ١٣:٧). لكن نقرأ أن الحيوانات الـ ٣ الأُول انتُزِع عنهم سُلطانهم، والحيوان الرابع قُتِل. أما مثل ابن الإنسان يقول دانيآل عنه وعن سلطانه ومملكته، "فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ ٱلشُّعُوبِ وَٱلْأُمَمِ وَٱلْأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ" (دا ١٤:٧). فهذه هي الممالك البابلية ومادي وفارس واليونانية والرومانية، ثم تبدأ ملكوت مثل ابن الإنسان (الرب يسوع الذي ملكوته ليس له نهاية).

(٢) على الصعيد الأممي، أعلن الله بصورة واضحة للملك نبوخذ نصر عن المخطط العام التاريخي للمَمَالِك والملوك الذين هم واحد منها. رأى نبوخذ نصر تمثالاً رأسه من ذهب وصدره وذراعاه من فضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وخزف. وهُنا يشير إلي ٤ ممالك متتالية وهم بابل، ومادي وفارس، واليونان، والرومان. إلي أن أتي حَجَرٌ مِنْ جَبَلٍ لَا بِيَدَيْنِ، فَسَحَقَ ٱلْحَدِيدَ وَٱلنُّحَاسَ وَٱلْخَزَفَ وَٱلْفِضَّةَ وَٱلذَّهَبَ (دا ٤٥:٢).

وهل للحجر قوة على تلك المعادن القوية كالحديد؟ ألا يُصنع من الحديد الأدوات لتكسير الحجر؟ فمن أين قوة الحجر هذه؟

بغض النظر عن الآيات العديدة في الكتاب المقدس التي تشير الي الرب يسوع بأنه حجر أو صخر، هنا في دانيآل ٢ يعلن الله عن "مملكة لن تنقرض أبداً" وهي التي ستسحق الجميع. بتأسيس من إله السماوات وهي تثبت إلى الأبد. لذلك يقول دانيال، "وَفِي أَيَّامِ هَؤُلَاءِ ٱلْمُلُوكِ، يُقِيمُ إِلَهُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَمْلَكَةً لَنْ تَنْقَرِضَ أَبَدًا، وَمَلِكُهَا لَا يُتْرَكُ لِشَعْبٍ آخَرَ، وَتَسْحَقُ وَتُفْنِي كُلَّ هَذِهِ ٱلْمَمَالِكِ، وَهِيَ تَثْبُتُ إِلَى ٱلْأَبَدِ" (دا ٤٤:٢). فهذه المملكة هي ملكوت الرب يسوع التي جزء رئيسي من دراستنا هُنا، متي ستبدأ؟ كيف ستكون؟ وفي أي ظروف؟ سنجيب على هذه الأسئلة لاحقاً هنا.

***

 

(٢) فكرة العُرس وجذورها في العهد القديم

فكرة الأعراس في وقتنا اليوم هي فكرة محبوبة ومحمودة ومباركة، علي وجه الخصوص في المجتمع المسيحي. فهُنا دائماً ومن الضروري كما خلق الله الإنسان ذكراً وأنثي، فهذا هو الزواج الكتابي المسيحي. وهنا نتتبع فكرة الزواج والعرس في العهد القديم.

في البداية، قال الرب الإله، "لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ" (تك ١٨:٢). فصنع الرب له حواء. فهُنا نجد أن تقييم الله لحالة الإنسان أنه أفضل بتزويجه ولأنها من امرِءٍ أُخذت، كانا جسداً واحداً.

لاحقاً، عندما أخذ أبيمالك سارة من ابراهيم، جاء الله اليه في حلم الليل وقال له، "هَا أَنْتَ مَيِّتٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَرْأَةِ ٱلَّتِي أَخَذْتَهَا، فَإِنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ بِبَعْلٍ" (تك ٣:٢٠). وهُنا على الرغم من عدم وجود شريعة مكتوبة، لكن نري ان الله يجعل الإنسان مسؤولا من خلال ضميره الذي وضعه الله فيه، الذي هو كُفء لامتناعه عن فعل الشر.

ثم، أعطي الرب الشريعة لموسى وأمر في حالة الزني أن الزاني والزانية يرجمان (لا ١٠:٢٠ و تث ٢٢:٢٢) وهذه اشارة واضحة لتكريم الزواج في قلب وعقل الإنسان بشريعة من الله. 

فلماذا يجب أن يكون الزواج مُكَرَّم وعكس ذلك يكون مُجَّرم؟ ببساطة وكتابية، لأن الزواج اشارة الي الزواج والاقتران العظيم، وهو اقتران المسيح يسوع بشعبه الذي هو الكنيسة.

في نشيد الأنشاد ٥، يقول العريس للعروس، "قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي ٱلْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلِي. شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي" وللتو تقول العروس لصديقاتها الإشبينات المُجتمعات للعُرس، "كُلُوا أَيُّهَا ٱلْأَصْحَابُ. ٱشْرَبُوا وَٱسْكَرُوا أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ" (نش ١:٥ و٢). فهُنا العريس والعروس وصديقات العروس.

وفي إشعياء ٥٤، الذي يلي ٥٣ الذي هو عن آلام العبد المتألم، نجد أن اصحاح ٥٤ هو نتيجة عمل المسيح على الصليب. فيقول، "لِأَنَّ بَنِي ٱلْمُسْتَوْحِشَةِ أَكْثَرُ مِنْ بَنِي ذَاتِ ٱلْبَعْلِ، قَالَ ٱلرَّبُّ. أَوْسِعِي مَكَانَ خَيْمَتِكِ، وَلْتُبْسَطْ شُقَقُ مَسَاكِنِكِ. لَا تُمْسِكِي. أَطِيلِي أَطْنَابَكِ وَشَدِّدِي أَوْتَادَكِ، لِأَنَّكِ تَمْتَدِّينَ إِلَى ٱلْيَمِينِ وَإِلَى ٱلْيَسَارِ… لِأَنَّهُ كَٱمْرَأَةٍ مَهْجُورَةٍ وَمَحْزُونَةِ ٱلرُّوحِ دَعَاكِ ٱلرَّبُّ، وَكَزَوْجَةِ ٱلصِّبَا إِذَا رُذِلَتْ، قَالَ إِلَهُكِ" (اش ١:٥٤- ٣ و٦).

هنا نجد أمتين أو شعبين وهُم (١) بَنِي ٱلْمُسْتَوْحِشَةِ و (٢) بَنِي ذَاتِ ٱلْبَعْلِ. وأيضاً نجد اتساع مكان الخيمة والإمتداد الي اليمين والي اليسار. وهُنا اشارة واضحة علي جمع بين بني الأمم (المستوحشة، أو المهجورة) وبني ذات البعل (شعب اسرائيل) وتشبيههم بـ زَوْجَةِ ٱلصِّبَا أي أن العروس هُنا تشمل أتقياء من الأمم واليهود. وهذا يتفق مع ما قاله الرب يسوع، "كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ" (مت ١١:٨). عندما امتدت الخيمة الي اليمين والي اليسار جمعت من هُم من المشارق ومن هم من المغارب من الأمم، ولاحظ ان الرب أكل كلامه وقال، "وَأَمَّا بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ" (ع١٢). فالإثنين كانوا في الملكوت، ولكن سيأتي يوم (سنقرأ عنه لاحقاً) يفرز الله من لهم صورة التقوي، والتي لا تعني أنهم أتقياء، ليظهر بر الأبرار.

في اشعياء ٦١، نري واحداً من أجواء الأفراح أيضاً، فالعريس يقول، "فَرَحًا أَفْرَحُ بِٱلرَّبِّ. تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلَهِي، لِأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ ٱلْخَلَاصِ. كَسَانِي رِدَاءَ ٱلْبِرِّ، مِثْلَ عَرِيسٍ يَتَزَيَّنُ بِعِمَامَةٍ، وَمِثْلَ عَرُوسٍ تَتَزَيَّنُ بِحُلِيِّهَا" (اش ١٠:٦١).

من هو العريس هُنا؟ الإجابة من ع١ الذي يقول "رُوحُ ٱلسَّيِّدِ ٱلرَّبِّ عَلَيَّ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ مَسَحَنِي لِأُبَشِّرَ ٱلْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لِأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي ٱلْقَلْبِ…" ومن خلال لوقا ٤ نفهم ان الرب يسوع هو المتحدث هُنا. ومن الضروري فه الأعداد الأولي من هذا الإصحاح لفهم ع١٠. عندنا قرأ الرب يسوع هذه القراءة في المجمع في لوقا ٤، قرأ حتى العبارة، "لِأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ،" وطوي السفر وأعطاه للخادم ولم يكمل العبارة ليقول "وَبِيَوْمِ ٱنْتِقَامٍ لِإِلَهِنَا" وذلك إخباراً عن مجيئه الأول وعبارة "وَبِيَوْمِ ٱنْتِقَامٍ لِإِلَهِنَا" تعبيراً عن مجيئه الثاني. ففي مجيئه الأول يعلن عن القبول، والمجيء الثاني يعلن عن الفرز والدينونة.

ففي ع١٠ يتنبأ عن عُرس وأن العريس يلبس ثياب الخلاص ورداء البر والعمامة الطاهرة، والعروس تتزين بحُليها. ومن هي العروس؟ سنناقش هذا لاحقاً.

في إشعياء ٦٢ يقول، "كَفَرَحِ ٱلْعَرِيسِ بِٱلْعَرُوسِ يَفْرَحُ بِكِ إِلَهُكِ" (ع٥). ويكرر هُنا ويشير الي عُرس والعريس هو الله والعروس هي من الأمم ومن اليهود، ولكن متي؟

وأخيراً في العهد القديم، يحذر من أراد أن يُطلِّق امرأته ويصف ذلك العمل بأنه "غدراً" بامرأة الشباب، وذلك لأن الله "يَكْرَهُ ٱلطَّلَاقَ" (ملا ١٦:٢). ولماذا يكره الطلاق؟ لأن الارتباط بين الزوج والزوجة هو صورة انعكاس لصورة أصليَّة وهي ارتباط المسيح بالكنيسة.

***

 

(٣) فكرة العُرس في العهد الجديد

كما رأينا القيمة الكتابية للزواج وأهمية ابقاءه وطهارته في العهد القديم، كذلك هُنا أيضاً في العهد الجديد الزواج توَضح الصورة الروحية الأصلية بأكثر وضوح.

صورة العُرس والإعلانات عن العروس في العهد الجديد (باستثناء انجيل متي)[1]

صديق العريس، في يو ٢٨:٣-٣٠ يوحنا المعمدان يتكلم ويقول، "أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ: لَسْتُ أَنَا ٱلْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ. مَنْ لَهُ ٱلْعَرُوسُ فَهُوَ ٱلْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ ٱلْعَرِيسِ ٱلَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ ٱلْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هَذَا قَدْ كَمَلَ. يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ." من حيث إن صديق العريس يقف ويسمعه و يفرح، ويوحنا يقول إنه فرحه كَمَل. فهو صديق العريس الذي ليس هو العريس وليس هو العروس، بل هو صديق العريس، وهذا لا يقلل من شأنه، بل هو من يشرح لأنه مُهيّئ الطريق لتوبة اليهود أمام الرب لمجئ ملكوت السماوات.

العذراء العفيفة (وليس العذارى) تمييزاً عن عذاري متي ٢٥، يقول بولس، "إِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ ٱللهِ، لِأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، لِأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ" (٢كو ٢:١١). بولس هُنا يوجه رسالته الي مؤمنين كورنثوس كالعذراء التي تنتظر أو تُقدم إلي رجلها أو عريسها المسيح. فبكل وضوح هنا تمييز أن العذراء هنا هي العروس أو امرأة الخروف التي رآها يوحنا في سفر الرؤيا، وليست هي العذاري، فلا مجال للخلط بينهم.

في أفسس ٢٥:٥-٢٧ يقول بولس للرجال المؤمنين بصدد محبتهم لنساءهم، "أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ ٱلْمَسِيحُ أَيْضًا ٱلْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِهَا،…لَا دَنَسَ فِيهَا وَلَا غَضْنَ (كرمشة وجه نتيجة الكبر في السن)."  محبة الرجال محبة طبيعية كما أحب المسيح الكنيسة، وهنا تشبيه واضح لصورة حقيقية أن المسيح له العروس التي هي الكنيسة.

إعلان السر العظيم في أف ٣٠:٥-٣٢، "لِأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ ٱلِٱثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. هَذَا ٱلسِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ ٱلْمَسِيحِ وَٱلْكَنِيسَةِ." السر العظيم هو سر المسيح والكنيسة أو العريس والعروس، أو آدم الحقيقي وحواء التي أُخذت من جسده، وهي الكنيسة التي هي هيكل الله لِأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ (ع٣٠).

***


(٤) فكرة العُرس والعريس والعروس في إنجيل متي

متي ٩، كما سبق وذكرنا عن يوحنا صديق العريس، فسمة العُرس واضحة كما هُنا وكما سنري في النصوص الآتية.

متي ٢٢، وهو نص واضح عن تشبيه ملكوت السماوات بانساناً ملكاً يصنع لإبنه عُرساً، فالنص يقول، "يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا صَنَعَ عُرْسًا لِٱبْنِهِ، وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا ٱلْمَدْعُوِّينَ إِلَى ٱلْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. فَأَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ قَائِلًا: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى ٱلْعُرْسِ! وَلَكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا" (متي ٢:٢٢-٥).

من الجدير بالذكر هنا هو عدم وجود العروس (لأنه هُنا يشير الي فترة زمنية لا توجد فيها العروس علي الأرض كما سنشرح هنا لاحقاً) لذا نجد العريس وأبيه والخدم والمدعوين منهم الذين استهانوا بالعُرس و منهم من أتي بهم الخدام من مفارق الطرق ومنهم الأشرار والصالحين.

متي ٢٤ هام ومتطابق مع أحداث كثيرة في سفر الرؤيا من دينونات علي الأرض منها ما يسمي بمبتدأ الأوجاع (مت ٨:٢٤) والضيقة العظيمة (مت ٢١:٢٤) أو ضيقة يعقوب (ار ٧:٣٠) علي خدام الرب (اسم آخر لمؤمنين الضيقة في إرميا ٩:٣٠) وهم قال عنهم إرميا "فَهَذَا هُوَ ٱلْكَلَامُ ٱلَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ ٱلرَّبُّ عَنْ إِسْرَائِيلَ وَعَنْ يَهُوذَا:.. لِمَاذَا أَرَى كُلَّ رَجُلٍ يَدَاهُ عَلَى حَقْوَيْهِ كَمَاخِضٍ، وَتَحَوَّلَ كُلُّ وَجْهٍ إِلَى صُفْرَةٍ؟ آهِ! لِأَنَّ ذَلِكَ ٱلْيَوْمَ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مِثْلُهُ. وَهُوَ وَقْتُ ضِيقٍ عَلَى يَعْقُوبَ، وَلَكِنَّهُ سَيُخَلَّصُ مِنْهُ. ٨ وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ، يَقُولُ رَبُّ ٱلْجُنُودِ، أَنِّي أَكْسِرُ نِيرَهُ عَنْ عُنُقِكَ، وَأَقْطَعُ رُبُطَكَ، وَلَا يَسْتَعْبِدُهُ بَعْدُ ٱلْغُرَبَاءُ، بَلْ يَخْدِمُونَ ٱلرَّبَّ إِلَهَهُمْ وَدَاوُدَ مَلِكَهُمُ ٱلَّذِي أُقِيمُهُ لَهُمْ" (ار ٤:٣٠-٩). العبارة، "ذَلِكَ ٱلْيَوْمَ عَظِيمٌ وَلَيْسَ مِثْلُهُ" عن ضيق يعقوب تتطابق تماماً مع قول الرب يسوع في متي ٢٤، "لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ٱبْتِدَاءِ ٱلْعَالَمِ إِلَى ٱلْآنَ وَلَنْ يَكُونَ" (متي ٢١:٢٤) (سنشرح توافق تلك الأحداث لاحقاً في مسار سفر الرؤيا).

متي ٢٥، وهو مثلنا الرئيسي، الذي يربط الرب يسوع فيه العُرس بملكوت السماوات، فإليك النص كاملاً:

١«حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ ٱلْعَرِيسِ. ٢ وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ، وَخَمْسٌ جَاهِلَاتٍ. ٣ أَمَّا ٱلْجَاهِلَاتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا، ٤ وَأَمَّا ٱلْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتًا فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ. ٥ وَفِيمَا أَبْطَأَ ٱلْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ. ٦ فَفِي نِصْفِ ٱللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا ٱلْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَٱخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! ٧ فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولَئِكَ ٱلْعَذَارَى وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ. ٨ فَقَالَتِ ٱلْجَاهِلَاتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ. ٩ فَأَجَابَتِ ٱلْحَكِيمَاتُ قَائِلاتٍ: لَعَلَّهُ لَا يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ ٱذْهَبْنَ إِلَى ٱلْبَاعَةِ وَٱبْتَعْنَ لَكُنَّ. ١٠ وَفِيمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَبْتَعْنَ جَاءَ ٱلْعَرِيسُ، وَٱلْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى ٱلْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ ٱلْبَابُ. ١١ أَخِيرًا جَاءَتْ بَقِيَّةُ ٱلْعَذَارَى أَيْضًا قَائِلَاتٍ: يا سَيِّدُ، يا سَيِّدُ، ٱفْتَحْ لَنَا! ١٢ فَأَجَابَ وَقَالَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ. ١٣ فَٱسْهَرُوا إِذًا لِأَنَّكُمْ لَا تَعْرِفُونَ ٱلْيَوْمَ وَلَا ٱلسَّاعَةَ ٱلَّتِي يَأْتِي فِيهَا ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ.

ملاحظات هامة

(١) غياب العروس، لماذا؟ (غياب العروس له بُعد نبوي، كما سنري لاحقاً)

(٢) العذارى هُم محور المثل، وليس العروس.

(٣) هل يمكن كما قال أحد شيوخ المسلمين أن الاسلام يسمح بزواج ٤ نساء ومسيحكم تزوج بـ ١٠ نساء؟ هل يمكن خلط العروس بأصدقائها؟ بالطبع لا.

(٤) عندما اُغلق الباب أجاب العريس العذارى الجاهلات، "إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ" أليست هم صديقات العروس؟


 

تعليقات هامة

(١) يُشْبِهُ: الكلمة في اليوناني ὁμοιωθήσεται ولكنها في زمن المستقبل الصريح. وفي الترجمات الإنجليزية كلها مترجمة بين shall be و will be وهما صيغ مستقبلية. لكن لماذا اختار المترجم العربي زمن المضارع؟ السبب بلاغي لغوي لاهوتي، هذا الأُسلوب شائع في الترجمات العربية الكلاسيكية للتصوير والحضور مما يعطي ملكوت السماوات حضور في مشهد حي لا يحدث ولا يكون في زمن ما وليس خاضع للزمن. حضور دائم.

(٢) عَذَارَى: الغرض اللاهوتي يشير الي أنهم فتيات صديقات العروس، تماماً هم الذين سلف الإشارة عنهم في سفر النشيد (نش ٢:٥)

لماذا ١٠عذاري؟ كانت العادة هي انارة ١٠ مصابيح مرتفعة عالية علي عصيان، تضاء بالزيت. فكان يحملهم ١٠ من صديقات العروس. الفرصة كانت متساوية للـ ١٠ لكن منهم الحكيمات ومنهم الجاهلات.

لكن لماذا تنطفئ المصابيح؟ لأنهم في الحقيقة أشرار، ففي ثقافة الكتاب المُقدس معروف الآتي:

نُورُ ٱلْأَشْرَارِ يَنْطَفِئُ، وَلَا يُضِيءُ لَهِيبُ نَارِهِ (أي ٥:١٨).

نُورُ ٱلصِّدِّيقِينَ يُفَرِّحُ، وَسِرَاجُ ٱلْأَشْرَارِ يَنْطَفِئُ (أم ٩:١٣).

سِرَاجُ ٱلْأَثَمَةِ يَنْطَفِئُ (أم ٢٠:٢٤).

(٣) لاحظ نداء الجاهلات، "يا سَيِّدُ، يا سَيِّدُ، ٱفْتَحْ لَنَا" يتطابق مع الدينونة الذي تنبأ عنها الرب يسوع في مت ٢١:٧-٢٣) فيقول، "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِٱسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يافَاعِلِي ٱلْإِثْمِ! (مت ٢١:٧-٢٣). وفي متي ٢٥ ومتي ٧ تأتي كلمة يارب ويا سيد في اليونانية كلمة واحدة "Κύριος" أو "kyrios." مما يشير إلي حدث مستقبلي من متي ١:٢٥ الي ع ١١. فالجاهلات هُم فاعلي الإثم، ولكن متي؟

مثل الوزنات والخراف والجداء. لن أتطرق كثيراً لتفسير مَثَلَيِ الوَزنات والخراف والجداء (متي ٢٥)، لكن نستطيع القول بأن الـ ٣ أمثال هُم لنفس الفئات ولنفس الفترة الزمنية التي سنراها في سفر الرؤيا.

والعناصر الأساسية في الأمثال الـ ٣ هم الحكمة - الأجرة - الشكل الخارجي. فالـ ١٠ عذاري نالوا نفس الزيت، والعبيد (أو التجار) الـ ٣ أخذوا وزنات والخراف والجداء هم نوعين من الحيوانات طاهرة. 


*** 

(٥) وضوح الصورة الكاملة من خلال سفر الرؤيا

سفر الرؤيا يختم الأسفار الكتابية بعهديها القديم والجديد، وهو في الموقع الأفضل حيث يحث الكنيسة على العيش بأمانة واستقامة قلب أمام الله ويعطي رجاء دائم لشعب الرب لأن الرب له السلطان فوق كل الأحداث والتاريخ. سفر الرؤيا بطبعه النبوي تتحقق فيه وتتحد معه الكثير من صفحات العهد القديم والجديد كما سنري اليوم.

في البداية ينقسم السفر الي ٣ أجزاء رئيسية، وهذا التقسيم كان بمشورة من الرب علي عبده يوحنا، فقال الرب ليوحنا، "اكْتُبْ مَا رَأَيْتَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ، وَمَا هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذَا" (رؤ ١٩:١). فالأقسام هُم:

أ- مَا رَأَيْتَ، (الإصحاح الأول) وهو ما رآه يوحنا علي جزيرة بطمس وهو ظهور ومجد الرب، أو بحصر اللفظ، "شِبْهُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ" (رؤ ١٣:١) وبحسب دانيآل "مِثْلُ ٱبْنِ إِنْسَانٍ" (دا ١٣:٧) وهُنا الطابع النبوي يطغي. وهذا الممسك الكواكب الـ ٧ (وهم ملائكة الكنائس) والسبع المناير الذهبية (الـ ٧ كنائس)

ب- ومَا هُوَ كَائِنٌ (الإصحاح الثاني والثالث) وهو حال الكنائس الـ ٧ من قوة وضعف، والوعود لمن يبقي أميناً.

ج- ومَا هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذَا (بدأً من الإصحاح الرابع فصاعداً)

ملحوظات هامة

(١) تتكرر كلمة "كنيسة" أو "كنائس" في الـ ٣ إصحاحات الأُوَل ١٨ مرة، ثم بعد ذكرها بهذه الكثافة تختفي مع ظهور جمهور المفديين مُغنيين في مشهد سمائي بديع، مُرنمين، "وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ ٱلسِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لِأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَٱشْتَرَيْتَنَا لِلهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لِإِلَهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى ٱلْأَرْضِ" (رؤ ٩:٥-١٠).

(٢) لاحظ أنه هُنا تم نبوة إشعياء والرب يسوع عن اتساع الخيمة يميناً ويساراً ومن أتوا من المشارق ومن المغارب واتكئوا في أحضان ابراهيم واسحاق ويعقوب. "مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ" هُم اتحاد بني المستوحشة وبني ذات البعل.

(٣) يرنمون بتأكيد أنهم سيملكون على الأرض، وهل بالفعل سيملكون على الأرض؟ بالطبع، كما سنري بعد قليل.

(٤) من الواضح والقراءة الطبيعية لهذه الإصحاحات أن الكنيسة ليست موجودة فيما بعد الإصحاح الـ ٣، أي تم الاختطاف هُنا ويبقي مسرح الأحداث للعذارى، صديقات العروس، كما سنري بوضوح.

ثم رؤيا ٦، فيه مقطع في غاية الأهمية، فيوحنا يري في السماء، تحت المذبح نفوس الذين قُتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التي كانت عندهم، وقالوا، "حَتَّى مَتَى أَيُّهَا ٱلسَّيِّدُ ٱلْقُدُّوسُ وَٱلْحَقُّ، لَا تَقْضِي وَتَنْتَقِمُ لِدِمَائِنَا مِنَ ٱلسَّاكِنِينَ عَلَى ٱلْأَرْضِ؟ فَأُعْطُوا كُلُّ وَاحِدٍ ثِيَابًا بِيضًا، وَقِيلَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَرِيحُوا زَمَانًا يَسِيرًا أَيْضًا حَتَّى يَكْمَلَ ٱلْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُمْ، وَإِخْوَتُهُمْ أَيْضًا، ٱلْعَتِيدُونَ أَنْ يُقْتَلُوا مِثْلَهُمْ" (رؤ ١٠:٦-١١).

فهُم في السماء، ويطلبون الانتقام مِن مَن هم على الأرض، ولكن هُناك وعد بالقضاء ومجيء العبيد، رفقائهم، اخوتهم.

وهذه الكلمات تفسر لنا العديد من الأمثال التي قالها الرب عن العبد، أو العبيد، أو الرفقاء، أو الأخوة، (ياله كتاب عظيم الذي يفسر نفسه من نفسه).

ومن رؤيا إصحاح ٦ إلى إصحاح ١٦ نجد ٢١ ضربة (٧ ختوم و٧ أبواق و٧ جامات)

وهُنا سؤال هام، هل ستجتاز الكنيسة الضيقة العظيمة، كما يفسر بعض المُفسرين؟

والآن دعونا نفكر،

أَلَم ينقذ الله نوح الرجل البار الكامل من دينونة الطوفان؟

أَلَم ينقذ الرب لوط البار من دينونة سدوم وعمورة؟

أَلَم يقل بولس عن الله الذي ينقذ المؤمنين، "ٱلَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ ٱلْغَضَبِ ٱلْآتِي" (١تس ١٠:١). وشدد على ذلك لاحقاً وقال، "لِأَنَّ ٱللهَ لَمْ يَجْعَلْنَا لِلْغَضَبِ، بَلْ لِٱقْتِنَاءِ ٱلْخَلَاصِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ" (١تس ٩:٥).

عندما رأى يوحنا المعمدان الكثير من الفريسيين والصدوقيين يأتون الي معموديته قال، "مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ ٱلْغَضَبِ ٱلْآتِي؟" (مت ٧:٣). فهُم كذلك بتوبتهم يهربون من الغضب الآتي، لأن الغضب الآتي ليس للتائبين أو المؤمنين، بل لمن رفضوا رسالة الخلاص، ولتخليص الذين لهم الدخول من العذارى أو المدعوين للعُرس.

وجزم بطرس الأمر وقال، "يَعْلَمُ الرَّبُّ أَنْ يُنْقِذَ الأَتْقِيَاءَ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَيَحْفَظَ الأَثَمَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ مُعَاقَبِينَ" (٢بط ٩:٢). فهُناك (١) انقاذ للأتقياء من التجربة و (٢) حفظ الأثمة ليوم الدين (المُخصص لهم) للعقاب.

*** 


(٦) رؤيا ١٤، وهو بؤرة تفسير مثل العذارى

تقول الأعداد الأولي، "خَرُوفٌ وَاقِفٌ عَلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ" (ع١أ) العريس الرب يسوع.

"مَعَهُ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، لَهُمُ ٱسْمُ أَبِيهِ مَكْتُوبًا عَلَى جِبَاهِهِمْ" (ع١ب) في وقت الذين قبلوا سمة الوحش (الجهلة التابعين للنظام الديني الفاسد ورقمه ٦٦٦) كان الرب يحمي عبيده (وليس العروس، لا أعود اسميكم عبيد، بل أحباء يو ١٥:١٥) في الضيقة العظيمة، يحميهم بالختم الذي على جباههم (رؤ ٤:٧).

"ٱلَّذِينَ ٱشْتُرُوا مِنَ ٱلْأَرْضِ" (ع٣) بكل وضوح يصرح الكتاب أنهم كانوا على الأرض، فهُم العذاري وليس العروس، وهم الذين آمنوا في وقت الضيقة العظيمة أو مبتدأ الأوجاع.

"هَؤُلَاءِ هُمُ ٱلَّذِينَ لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ ٱلنِّسَاءِ لِأَنَّهُمْ أَطْهَارٌ" (ع٤) فالمقطع هنا يركز وبشدة على وقت قبول العذاري الحكيمات، وليس وقت رفض الجاهلات، لأنهم سيأتون ولكن في وقت متأخر.

ومن الجدير بالذكر أن كلمة أطهار في "لِأَنَّهُمْ أَطْهَارٌ" في اليونانية نفس الكلمة في متي ٢٥ "عذاري" παρθένος (parthenos) virgin. "هَؤُلَاءِ هُمُ ٱلَّذِينَ لَمْ يَتَنَجَّسُوا مَعَ ٱلنِّسَاءِ لِأَنَّهُمْ عذاري" (ع٤). ويصفهم في ع٥ ويقول عنهم، "هُمُ ٱلَّذِينَ يَتْبَعُونَ ٱلْخَرُوفَ حَيْثُمَا ذَهَبَ." فهُم التابعين وليسوا العروس. فهُناك تطابق واضح بين مؤمنين الضيقة هُنا والعذارى في متي ٢٥.

إذاً، ما هو الزيت في مثل العذارى؟

لا يتركنا سفر الرؤيا بدون إجابة واضحة، لذا نجد ذكر الزيت الذي هو اشارة الي معرفة الله علي الأرض، لأن الأرض ستتغطى بمعرفة الله، أي أن البشارة ستصل حتماً لكل انسان.

في إصحاح ١١ نجد ليست زيتونة واحدة وليست منارة واحدة، بل اثنان، والسبب في انهما اثنان، أنه، "لَا يَقُومُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى إِنْسَانٍ فِي ذَنْبٍ مَّا أَوْ خَطِيَّةٍ مَّا مِنْ جَمِيعِ ٱلْخَطَايَا ٱلَّتِي يُخْطِئُ بِهَا. عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ عَلَى فَمِ ثَلَاثَةِ شُهُودٍ يَقُومُ ٱلْأَمْرُ" (تث ١٥:١٩-١٦). شهدة علي كل الأرض.

 والشهادة لن تكن ضعيفة، بل ستكون في قوة موسي وإيليا، "هَذَانِ لَهُمَا ٱلسُّلْطَانُ أَنْ يُغْلِقَا ٱلسَّمَاءَ حَتَّى لَا تُمْطِرَ مَطَرًا فِي أَيَّامِ نُبُوَّتِهِمَا(ايليا)، وَلَهُمَا سُلْطَانٌ عَلَى ٱلْمِيَاهِ أَنْ يُحَوِّلَاهَا إِلَى دَمٍ (موسي)" (رؤ ٦:١١).

 في هذا الوقت في الضيقة سيكون هُناك نهضة روحية عظيمة ولها تأثير بعلامات، ومنهم سيكون الذين لهم صورة التقوى، هُم عذاري (كمثل العذاري) وهُم عبيد (في مثل الوزنات) وهم جداء (في الظاهر أطهار وأمناء) وسيعطون "مَجْدًا لِإِلَهِ ٱلسَّمَاءِ" (رؤ ١٣:١١).

وما هو هدف الضيقة العظيمة إذاً؟

لخلاص العذاري الحكيمات، والعبيد العاملين، والمدعوين للعرس، والخراف وليس والجداء.

عندما ضرب الرب مصر بـ ١٠ ضربات، كان الهدف مكرراً بصوت الرب الواضح وهو، "فَيَعْرِفُ ٱلْمِصْرِيُّونَ أَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ.. تَعْرِفُ أَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ" (خر ٥:٧ و١٧). انظر أيضاً، خر ٢٢:٨ و ١٤:٩-١٦ و ٤:١٤ و١٨). إذاً، علي الرُغم من أن الضربات الـ ٢١ تأديباً لكل من لم يقبل الرب في عهد النعمة ولن يقبله في عهد التأديب، فهي فرصة ثانية لمن لهم فرصة القبول في الضيقة الـ ٧ سنوات. 

لكن متي ستأتي العروس؟

الإجابة بعد اكتمال ودخول بنو العُرس، أو العذارى في رؤيا ١٩، فالفرح والعرس ليس فرحاً ولا عُرساً إلا بوجود العروس.

رؤيا ١٩، تكثر فيه الـ "هايلويا" وتظهر امرأة الخروف، وأيضاً المدعويين، فيقول الكتاب:

هَلِّلُويَا! فَإِنَّهُ قَدْ مَلَكَ ٱلرَّبُّ ٱلْإِلَهُ ٱلْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ ٱلْمَجْدَ! لِأَنَّ عُرْسَ ٱلْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ، وَٱمْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا. وَأُعْطِيَتْ أَنْ تَلْبَسَ بَزًّا نَقِيًّا بَهِيًّا، لِأَنَّ ٱلْبَزَّ هُوَ تَبَرُّرَاتُ ٱلْقِدِّيسِينَ. وَقَالَ لِيَ: ٱكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ ٱلْخَرُوفِ! وَقَالَ: هَذِهِ هِيَ أَقْوَالُ ٱللهِ ٱلصَّادِقَةُ (رؤ ٦:١٩-٩).

لاحظ أن

هنا الإصحاح الـ ١٩ (بعد الانتهاء من الـ ٢١ ضربة علي الأرض) قُبيل الـ ٢٠ (الذي هو عن المُلك الألفي)، يذكر العُرس وبكل أطرافه وأفراده لاكتمال الفرح، فيوجد هُنا الرب الملك وامرأته مُهيأة للعُرس، وأيضاً المدعوين للعُرس.

العريس هو الرب، والعروس هي الكنيسة، والمدعوون هم الأتقياء الخارجون من الضيقة العظيمة وهُم العذارى الذين كانت معرفتهم حقيقية ومثمرة، فهُم العذارى الحكيمات، الذين "لم يَتَنَجَّسُوا مَعَ النِّسَاءِ لِأَنَّهُمْ أَطْهَارٌ" (رؤ ٤:١٤). وهُم التجار أو العبيد الذين تاجروا وشهدوا بكل أمانة في الضيقة العظيمة وربحوا "فَيَتَنَبَّآنِ أَلْفًا وَمِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لَابِسَيْنِ مُسُوحًا" (رؤ ٣:١١) وهُم الخراف وليسوا الجداء، فهُم الذين برهم حقيقي وليس زائفاً (متي ٢٥ الأمثال الثلاثة).

أما عن العروس التي في السماء، فكما كانت شهوة قلبها للعرس والمُلك كما نقرأ في رؤيا ٥ فهُم الذين قالوا، "فَسَنَمْلِكُ عَلَى ٱلْأَرْضِ" (رؤ ١٠:٥). تتحقق أشواقهم في رؤيا ٢٠ حيث العرس والمُلك الذي يمتد الي فترة زمنية تقدر بألف سنة.

رؤيا ٢٠، الملك الألفي. تتكرر عبارة "ألف سنة" أو "الألف سنة" ٦ مرات في رؤ ٢٠ وتأتي في السياقات الآتية:

"فَقَبَضَ عَلَى ٱلتِّنِّينِ، ٱلْحَيَّةِ ٱلْقَدِيمَةِ، ٱلَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَٱلشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ…"

 و “حَتَّى تَتِمَّ ٱلْأَلْفُ ٱلسَّنَةِ…."

 و "وَمَلَكُوا مَعَ ٱلْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ…"

 و "حَتَّى تَتِمَّ ٱلْأَلْفُ ٱلسَّنَةِ"

 و "وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ…"

 و "ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ ٱلْأَلْفُ ٱلسَّنَةِ…"

وبالتالي، إذا كان الاختطاف والضربات الـ ٢١ أحداث واقعية نبوية حقيقية حرفية، فبالتالي المُلك الألفي هو حرفي حقيقي، ولكن هذا ليس موضوع بحثنا هُنا. ولكن التأكيد والتركيز وبؤرة بحثنا اليوم هو شرح مثل العذارى في مكانه النبوي في الكتاب المقدس.

ثم في رؤيا ٢١ يقول يوحنا، "وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ ٱلْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا (رؤ ٢:٢١).

"ثُمَّ جَاءَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ ٱلسَّبْعَةِ ٱلْمَلَائِكَةِ ٱلَّذِينَ مَعَهُمُ ٱلسَّبْعَةُ ٱلْجَامَاتِ ٱلْمَمْلُوَّةِ مِنَ ٱلسَّبْعِ ٱلضَّرَبَاتِ ٱلْأَخِيرَةِ، وَتَكَلَّمَ مَعِي قَائِلًا: هَلُمَّ فَأُرِيَكَ ٱلْعَرُوسَ ٱمْرَأَةَ ٱلْخَرُوفِ. وَذَهَبَ بِي بِٱلرُّوحِ إِلَى جَبَلٍ عَظِيمٍ عَالٍ، وَأَرَانِي ٱلْمَدِينَةَ ٱلْعَظِيمَةَ أُورُشَلِيمَ ٱلْمُقَدَّسَةَ نَازِلَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ ٱللهِ، لَهَا مَجْدُ ٱللهِ (رؤ ٩:٢١-١١).

فالعروس هُنا، ثانية، مُشبهة بالمدينة المقدسة، أو أورشليم الجديدة، فهي مدينة كل مؤمن رحَّالة في هذا العالم. وعن إبراهيم يقول الكتاب، "بِٱلْإِيمَانِ تَغَرَّبَ فِي أَرْضِ ٱلْمَوْعِدِ كَأَنَّهَا غَرِيبَةٌ، سَاكِنًا فِي خِيَامٍ مَعَ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ٱلْوَارِثَيْنِ مَعَهُ لِهَذَا ٱلْمَوْعِدِ عَيْنِهِ. لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلْأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللهُ." (عب ٩:١١-١٠).

ورؤيا ٢٢ يبرز أشواق العروس وهي على الأرض الآن، "وَٱلرُّوحُ وَٱلْعَرُوسُ يَقُولَانِ: تَعَالَ. وَمَنْ يَسْمَعْ فَلْيَقُلْ: تَعَالَ. وَمَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا" (رؤ ١٧:٢٢). وإبراهيم كان بالإيمان يري الكنيسة التي أسسها الله وبررها بالخلاص.

فهذا هو صوت العروس الآن وأشواقها وهو المقابلة مع العريس، مرةً ليأخذها لبيت الآب، لتتهيأ للعرس، ومرة للعُرس (رؤ ١٤ و١٩).

الخاتمة

المؤمنون هُم عروس المسيح، وما يتوقعونه هو حدوث الاختطاف في أي لحظة، فهذا هو السر المكتوم، ولكنه أُعلن للمؤمنين عند قول بولس بوضوح، "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لَا نَرْقُدُ كُلُّنَا" (١كو ٥١:١٥). أما العذارى فهُم صديقات العروس الذين نجدهم في نشيد الأنشاد ١:٥ ومتي ١:٢٥ ورؤيا ٤:١٤ و ٩:١٩.

وكلمة أخيرة، فأنا "نَفَرٌ قَلِيلٌ" (تك ٣٠:٣٤) وقد أكون أصبت تماماً أو شاب تفسيري أخطاء ما، فأنا قليل أمام كلمة وتدابير الله، وأصلي أن تكون هذه الكلمات سبب بركة لمؤمنين ومؤمنات لتثبيتهم في الإيمان ولعُمق أشواقهم الروحية للقاء الرب في السحب، ولإلهنا كل المجد. 

 

"وَالفَاهمونَ يَضِيئُون كَضيَاءِ الجلَدِ"

(دا ٣:١٢) 

يناير ٢٠٢٦

 


 


 

 



Comments