٤ معضلات في عبارة واحدة عب ٤:١١
بالإيمان هابيل
"بِٱلْإِيمَانِ قَدَّمَ هَابِيلُ لِلهِ ذَبِيحَةً أَفْضَلَ مِنْ قَايِينَ. فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ، إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!" (عب ٤:١١).
١- في قوله، "فَبِهِ شُهِدَ لَهُ أَنَّهُ بَارٌّ" من هو أو ما المقصود بـ "به"
يعتقد معظم المفسرين أن المرجع للضمير الموصول "به" هو الإيمان، مع أن المقصود الأقرب هو ذبيحة هابيل. وللتأييد، هذا الرأي العبارة اللاحقة فيقول "إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ". فشهد الله لهابيل أنه باراً بناءُ علي ذبيحته المقدمة بالإيمان.
٢- لماذا في بداية العبارة تكلم الكاتب عن "ذبيحة" بالمفرد ثم حول الكلام الى "قرابين" بالجمع، مع أنه يتحدث عن حادثة واحدة؟
هناك أكثر من اجابة للتفاعل مع هذا النص:
رد من خلال لغة ومفردات الكاتب، من المفردات التي تكررت واستخدما كثيراً كاتب الرسالة إلي العبرانيين، قرابين (بالجمع) . فيأتي استخدامه للكلمة كالآتي:
"لِأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ مَأْخُوذٍ مِنَ ٱلنَّاسِ يُقَامُ لِأَجْلِ ٱلنَّاسِ فِي مَا لِلهِ،لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ عَنِ ٱلْخَطَايَا" (١:٥).
"لِأَنَّ كُلَّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ يُقَامُ لِكَيْ يُقَدِّمَ قَرَابِينَ وَذَبَائِحَ. فَمِنْ ثَمَّ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا أَيْضًا شَيْءٌ يُقَدِّمُهُ. ٤ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى ٱلْأَرْضِ لَمَا كَانَ كَاهِنًا، إِذْ يُوجَدُ ٱلْكَهَنَةُ ٱلَّذِينَ يُقَدِّمُونَ قَرَابِينَ حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ" ( ٣:٨ و٤).
"ٱلَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ ٱلْحَاضِرِ، ٱلَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِح" (٩:٩).
فهو بطول رسالته يتكلم بصيغة الجمع عندما يتكلم عن الـ "قرابين." وكأنه في ذهنه فكرة معينة محددة، أي أنه بقرابين مثل هذه سَرَ و يُسَر الله بها، كما رأينا في ذبيحة هابيل.
رد لغوي بالعودة إلى الحادثة في التكوين، فيقول الراوي، "وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ ٱلرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ" (تك ٤:٤). يعلق آدم كلاك هنا ويقول أنه نحوياً عبرياً يمكن الفهم ببساطة أن هابيل لم يقدم تقدمة واحدة بل قدم "مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" يقول كلارك بالنص:
قدّم هَابِيلُ أَيْضًا، فَجَلَبَ من باكورةِ رعيّته. يقول Benjamin Kennicott إنَّ الكلمات "وَقُرْبَانِهِ" المترجمة מִנְחָה - minchah وهي نفس كلمة "ذبيحةَ شُكر،" إلى جانب أَنَّه قَدَّم أيضًا ذبيحة أخرى من أوَّل أبكار الأخيرة بمثابة اعترافٍ بأَنَّه خاطئ، ووفقًا للدّكتور Kennicott فإنَّ هابيل، إِلى جانب ذبيحة (minchah) "الشُّكر" والامتنان، قَدَّم أَيضًا أُضْحِيَةً، لتكون فداءً لذنوبهِ، ولهذا أختار أَحدَ أَبكار رعيّته، والّتي حسب فكر الله، كانت تَشْبِيهًا لحمل اللّٰه الَّذي سيرفع خطينة العالم، ومَا يُؤكِّد هذا التّفسير أَكثر هو كلام الرّسول: إِنَّ اللّه شَهدَ لقرابينه، مِمَّا يدلّ على أَنَّه بالتّاكيد قَدَّم أَكثرَ من قُربانٍ واحدٍ.
رد لاهوتي، القرابين هنا تعود علي إيمانه وذبيحته، واستناداً علي ذلك ما قاله الكتاب في التكوين، "فَنَظَرَ ٱلرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ" (تك ٤:٤) فنظر الرب لـ ٢ وهم (١) هابيل (٢) قربانه.
٣- ماذا أو من هو المقصود "وَبِهِ" (الثانية) في قوله "إِذْ شَهِدَ اللهُ لِقَرَابِينِهِ. وَبِهِ، وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْدُ!"
من الرائع هنا أن نعرف من المقصود هنا "بِهِ" الفاعل الأقرب هنا هو الله. وبذلك، بالله، ان مات هابيل فهو له رجاء للحياة ويسمع صوته. أي، بالله هابيل له حياة بعد موته.
٤- من هو المقصود أنه يتكلم في عبارة، "وَإِنْ مَاتَ، يَتَكَلَّمْ بَعْد" ؟
بوضع الأفعال التي يستخدمها الكاتب لوصف أعمال هابيل، تكون كالآتي، (١) قَدَّمَ (٢) مَاتَ (٣) يَتَكَلَّمْ. ونفس الترتيب هذا نجده في القصة التوراتية عن هابيل بالتسلسل:
"وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضًا مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا" (تك ٤:٤).
"قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ" (ع٨).
"فَقَالَ (الرب) «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ ٱلْأَرْضِ" (ع١٠).
فنجد أن الذي يتكلم أو الصوت هو صوت صراخ هابيل.
و للتأييد:
لم ينتهي كلام الكاتب عن هابيل بعد، لكن يذكره ثانية في الإصحاح التالي يقول، "إِلَى ٱللهِ دَيَّانِ ٱلْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، وَإِلَى وَسِيطِ ٱلْعَهْدِ ٱلْجَدِيدِ، يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ" (٢٣:١٢-٢٤). أي اذ كان دم هابيل صارخ للإنتقام، فدم يسوع يصرخ للغفران، "يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو ٣٤:٢٣).
ونجد أن هدف الكاتب:
هدف الكاتب من التعليق علي صرخة أو كلام هابيل بعد موته يتفق تماماً مع روح الإصحاح التي تعطي رجاءً لما بعد الموت.
فهل يعقل أن من مات يتكلم؟ أو يصرخ؟ كاتب العبرانيين يقول، "نعم" انه تكلم و صرخ، أي أنه بالفعل ظُلم هابيل وقتله أخوه للغيرة والحسد، لكنه لن يفني فهو باقٍ وله رجاء.
فيقول أيضاً كاتب العبرانين في الإصحاح الحادي عشر عن الرجاء:
١- عن تعريف الإيمان قال، "ٱلْإِيمَانُ فَهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى" (ع١)
٢- عن ابراهيم قال، "لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ ٱلْمَدِينَةَ ٱلَّتِي لَهَا ٱلْأَسَاسَاتُ، ٱلَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا ٱللهُ" (ع١٠).
٣- عن انتظار أبطال الإيمان قال، "فِي ٱلْإِيمَانِ مَاتَ هَؤُلَاءِ أَجْمَعُونَ، وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا ٱلْمَوَاعِيدَ، بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيَّوْهَا، وَأَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلَاءُ عَلَى ٱلْأَرْضِ. فَإِنَّ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ وَطَنًا" (ع١٣-١٤).
٤- وعن كل من استشهدوا لأجل الكلمة قال، لَمْ يَقْبَلُوا ٱلنَّجَاةَ لِكَيْ يَنَالُوا قِيَامَةً أَفْضَلَ" (ع٣٥).
٥- إِذْ سَبَقَ ٱللهُ فَنَظَرَ لَنَا شَيْئًا أَفْضَلَ، لِكَيْ لَا يُكْمَلُوا بِدُونِنَا" (ع٤٠).
فنجد أن الكاتب هُنا يؤكد مراراً وتكراراً علي فكرة الإيمان، لكنه لم يتجاهل فكرة رجاء الإيمان كجو عام يسود أيضاً علي فكرته في الإصحاح الحادي عشر، فنجد أن صرخة أو كلام هابيل إشارة إلي الرجاء بعد فناء الجسد.


.jpg)
Comments
Post a Comment