ماذا قصد داود بـ "طَهِّرْنِي بِٱلزُّوفَا"؟
ماذا قصد داود بـ طهرني بالزوفا؟
عند الخوض في عالم العهد القديم و ثنايا سراديب التوراة والأنبياء بما فعلوه وقالوه، نملأ الكثير من الفجوات المعرفية في ما عَلِمنا وعَلَّمناه.
آيتنا اليوم هي في صلاة داود في مزمور توبته الشهير، مز ٥١، صلي داود قائلاً، "طَهِّرْنِي بِٱلزُّوفَا فَأَطْهُرَ" (مز ٧:٥١).
فما هو الزوفا؟
ما المقصود بالتطهير بالزوفا؟
ولماذا الزوفا على وجه التحديد؟
نبات الزوفا
الزوفا نباتٌ عشبي عطري معمر ينتمي إلى الفصيلة النعناعية، ويتميز بسيقانه الرفيعة وأوراقه الصغيرة وأزهاره التي تتدرج ألوانها بين الأزرق والوردي والبنفسجي بحسب النوع. ينمو طبيعيًا في المناطق الصخرية الجافة ذات المناخ المتوسطي، و يشتهر بقدرته على تحمل الجفاف والحرارة. يحتوي على زيوت عطرية تمنحه رائحة قوية ونكهة مميزة.
من الجدير بالذكر أن داود كان واحدًا من اليهود الأتقياء العالمين والعارفين بناموس الرب الذي هو في ذلك الوقت التوراة مكتوبة ومحفوظة لدي اللاويين والكهنة. فهو بالتالي يعرف الحدث الآتي:
نبات الزوفا والتاريخ اليهودي
ارتبط نبات الزوفا بواحدة من أهم الأحداث التي لها علامة تاريخية في التاريخ اليهودي. آخر ليلة استعبد فيها فرعون شعب إسرائيل لفترة دامت ٤٠٠ سنة كان على شعب إسرائيل تقديم خروف الفصح لعبور الملاك المُهلك، ويقول الكتاب عن مَس العتبة العليا والقائمتين بالدم الآتي، "خُذُوا بَاقَةَ زُوفَا وَٱغْمِسُوهَا فِي ٱلدَّمِ ٱلَّذِي فِي ٱلطَّسْتِ وَمُسُّوا ٱلْعَتَبَةَ ٱلْعُلْيَا وَٱلْقَائِمَتَيْنِ" (خر ٢٢:١٢). فوسيلة مَس الدم كانت باقة زوفا، فيرى الملاك المُهلاك الدم على أعتاب البيت الثلاث، ويعبر. وأيضًا كان داود علي علم كامل باشريعة الآتية:
نبات الزوفا و الطقوس الكهنوتية
يعتبر سفر اللاويين كتاب دليل الكاهن في العهد القديم في شأن ماذا يُقدم ومتى يقدم وكيف يقدم التقدمات والذبائح. من ضمن التعليمات والشرائع للكهنة، نجد في لاويين ١٤ شريعة تطهير الأبرص يوم طهره. فيأمر الرب الكهنة تقديم العصفوران الحيان ومعهما خشب الأرز (عصا من خشب الأرز، رمز القوة والثبات) مع خيط من القرمز (رمز الدم والفداء) وزوفا (وسيلة نضح الدم). ثم يذبح واحد من العصفوران، ويأتي بالعصفور الآخر الحي والأرز والقرمز والزوفا ويغمس في دم العصفور المذبوح، وبذلك الدم و بالزوفا يرش على الأبرص المتطهر ٧ مرات فيتطهر. فيقول الكتاب، " أَمَّا ٱلْعُصْفُورُ ٱلْحَيُّ فَيَأْخُذُهُ مَعَ خَشَبِ ٱلْأَرْزِ وَٱلْقِرْمِزِ وَٱلزُّوفَا وَيَغْمِسُهَا مَعَ ٱلْعُصْفُورِ ٱلْحَيِّ فِي دَمِ ٱلْعُصْفُورِ ٱلْمَذْبُوحِ عَلَى ٱلْمَاءِ ٱلْحَيِّ، ٧ وَيَنْضِحُ عَلَى ٱلْمُتَطَهِّرِ مِنَ ٱلْبَرَصِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَيُطَهِّرُهُ" (لا ٤:١٤–٧).
صلاة داود
فصلاة داود، أني عبد محكوم عليه بالموت. كيف أخطأ داود؟ قتل داود أوريا الحثي بعد أن زنى بامرأته. فخطية داود كانت مُركبة بين القتل والزنا الخطيتين اللاتين كانتا عقوبتهما في الشريعة هى الموت ولا ذبيحة للتكفير. فهو يصلي ويقول اغفر لي و امح معاصي بالزوفا المغموسة بالدم ليعبر الهلاك. فيأتي بروح الرفض أنه مرفوض كالأبرص المطرود خارج المحلة، ولا يرجعه إلا بالزوفا المغموسة في الدم المنضوحة عليه ٧ مرات للعودة والدخول إلى محضر الله.
الزوفا عند الصليب
واحد من أبشع وأصعب المشاهد الكتابية هو مشهد الصليب، فالمُعلق على الخشبة، هو الذي به خُلق الكون. قال الرب، أنا عطشان، فيقول الكتاب، "فَمَلَأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ ٱلْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ… ٣٤ لَكِنَّ وَاحِدًا مِنَ ٱلْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ" (يو ٢٨:١٩ و٣٤). فنجد عن الصليب الزوفا، والدم، والماء. ويعلن يوحنا قائلاً، "وَدَمُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (١يو ٧:١).
وكأن داود يقول للرب، اني أحتمي في الدم المرشوش بالزوفا، اعبر عني ولا تهلكني، فأنا المطرود خارج المحلة بخطيتي، انضح علي الزوفا المرشوشة بالدم، وأنا أحتمي في من أتنبأ عنه الآتي، ربي، المصلوب على الصليب حيث الزوفا والدم والماء.
آمين
د.ق ناثان عوض يونيو ٢٠٢٦
.jpg)

Comments
Post a Comment