لماذا أختار الله سليمان دون داود لبناء الهيكل؟
سكن داود في بيت تم بناؤه من خشب الأرز المُعمر الصَلب، وأما تابوت الله الذي يمثل حضور الله وسط شعبه فكان في خيمة الاجتماع داخل الشقق. إذ كانت الخيمة تشير إلى الترحال، أراد داود ضمان سكنى الرب وسط شعبه للاستقرار لضمان البركة، أو لأنه شعر أن بيته يبدو أنه مستقرًا أو أكثر قوة وفخامة من شقق الخيمة. لذا، أراد أن يبني بيتًا للرب. قال داود لناثان، "ٱنْظُرْ. إِنِّي سَاكِنٌ فِي بَيْتٍ مِنْ أَرْزٍ، وَتَابُوتُ ٱللهِ سَاكِنٌ دَاخِلَ ٱلشُّقَقِ" (٢ صم ٢:٧). نيَّة ورغبة داود تبدو أنها صادقة وتوحي بالامتنان للرب، لذلك كان الرد البديهي من ناثان النبي–بدون العودة للرب في أمر جوهري وهام كهذا– هو الموافقة وبدون تفكير. فأجاب ناثان داود قائلًا، "ٱذْهَبِ ٱفْعَلْ كُلَّ مَا بِقَلْبِكَ، لِأَنَّ ٱلرَّبَّ مَعَكَ" (٣:٧). لكن في تلك الليلة، تكلم الرب لناثان وأرسله برسالة لداود وهي، "أَأَنْتَ تَبْنِي لِي بَيْتًا لِسُكْنَايَ؟… (أنا) كُنْتُ أَسِيرُ فِي خَيْمَةٍ وَفِي مَسْكَنٍ… أَنَا أَخَذْتُكَ مِنَ ٱلْمَرْبَضِ مِنْ وَرَاءِ ٱلْغَنَمِ لِتَكُونَ رَئِيسًا عَلَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ… (أنا) قَرَضْتُ جَمِيعَ أَعْدَائِكَ مِنْ أَمَامِكَ، (أنا) عَمِلْتُ لَكَ ٱسْمًا عَظِيمًا … " (ع ٥، ٦، ٨، ٩). والرب قال لداود على لسان ناثان، "وَٱلرَّبُّ يُخْبِرُكَ أَنَّ ٱلرَّبَّ يَصْنَعُ لَكَ بَيْتًا" (ع ١١).
وهنا يقول الرب، أنا كنت أسير في خيمة الاجتماع. وبمعنى آخر، لا تظن لأن اللاويون كانوا يحملون التابوت على أكتافهم، أنني كنت عاجزًا عن الحركة أو يتم توجيهي حيث يشاء الحاملون، "لا". فاذكر أنك كنت صبي صغير ومن مربض الغنم أتيت بك، فأنت لم تكن رجل حرب بل أنا من جعلت لك اسمًا بين الأبطال، وأنا الذي قرضت أعداءك، ولست بقوتك فعلت هذا.
أخبر داود لسليمان ابنه، لماذا لم يسمح له الرب بأن يبني له بيتًا، فقال داود، "كَانَ إِلَيَّ كَلَامُ ٱلرَّبِّ قَائِلًا: قَدْ سَفَكْتَ دَمًا كَثِيرًا وَعَمِلْتَ حُرُوبًا عَظِيمَةً، فَلَا تَبْنِي بَيْتًا لِٱسْمِي لِأَنَّكَ سَفَكْتَ دِمَاءً كَثِيرَةً عَلَى ٱلْأَرْضِ أَمَامِي. هُوَذَا يُولَدُ لَكَ ٱبْنٌ يَكُونُ صَاحِبَ رَاحَةٍ… هُوَ يَبْنِي بَيْتًا لِٱسْمِي" (١ أخ ٨:٢٢–١٠). ويكرر لاحقًا بإيضاح، "وَلَكِنَّ ٱللهَ قَالَ لِي: لَا تَبْنِي بَيْتًا لِٱسْمِي لِأَنَّكَ أَنْتَ رَجُلُ حُرُوبٍ وَقَدْ سَفَكْتَ دَمًا" (٣:٢٨).
وماذا عن سليمان؟ هل حقًا كان رجل سلام؟ هل كانت يده نظيفة من الدماء؟ يذكر الكتاب أن:
١- قتل سليمان أخيه أدونيا (١مل ٢٤:٢–٢٥).
٢- قتل سليمان قائد الجيش ابن عمته يوآب بن صروية (ع ٣٤).
٣- قتل سليمان شمعي بن جيرا (ع ٤٦).
وأما عن الحروب، فذهب سليمان وقام بحملة عسكرة على حماة وقوي عليها (٢أخ ٣:٨).
إذا كان السبب لعدم بناء داود لبيت الرب أنه سفك دماء، فسليمان هو أيضًا سفك دماء، مع العلم بأن سفك الدماء هذا كان على يد بناياهو بن يهوياداع واحدًا من أبطال داود. وكن الكفة راجحة لسليمان اذ قارنَّا وقت الحرب والسلام في حياة سليمان وداود. ولكن ماذا أراد الرب أن يقول من هذه العبارة لداود، " قَدْ سَفَكْتَ دَمًا كَثِيرًا وَعَمِلْتَ حُرُوبًا عَظِيمَةً"؟
من منَّا لا يحب أو يشاهد أو في يومًا لعب كرة القدم؟ أو أي من الرياضات. عن أبطال الرياضات، عادة، المشهورين، عن تقاعده هناك ما يسمى بـ ماتش الاعتزال. وعادة يريد اللاعب وجمهوره أن يترك هذا اللاعب تلك الرياضة بمنافسة أخيرة، ولكن بانتصار وليس بالهزيمة ليختم بهذا الماتش تاريخه الكروي (على سبيل المثال) تاركًا لحظات الشرف والقوة له يذكرها جمهوره به. وعلى الصعيد الآخر، للتخرج من الكليَّات العملية أو التطبيقية، أو حتي النظرية، هناك ما يسمى بمشروع التخرج. أحيانًا يكون نموذجًا مصغرًا لبناء ما، أو رسمة، أو رسالة مكتوبة. ليكون هذا المشروع حلقة الوصل بين الانتهاء من الدراسة، والبداية لنشاط مهني جديد. نعود مرة أخرى لسليمان وداود؛ لم يُرد الرب أن يكون الهيكل المزمع بناءه ماتش اعتزال داود، لكن مشروع تخرج لسليمان. لو كان ماتش اعتزال، لكن الفضل وكل الفضل يعود لداود وقوته التي أبرزها في تكوين المملكة والتخلص من الأعداء، ويني بيتًا للرب تتويجًا لبطولاته. أما الرب، فأراد أن يستخدم سليمان، الذي وصفه أبيه بأنه، "صَغِيرٌ وَغَضٌّ (أي حديث السن وقليل الخبرة)" (١ أخ ٥:٢٢). فاختار الرب الصغير والغض ليعطيه شرف أن يبني بيتًا له. أو بعبارة أخري، كما اختار الرب داود الصغير، كما وصفه أبيه يسى، "بَقِيَ بَعْدُ ٱلصَّغِيرُ" (١ صم ١١:١٦)، وصنع الرب له اسمًا عظيمًا، اختار أيضًا الصغير الغض سليمان ليبني له بيتًا عظيمًا ليكون هو أيضًا كأبيه له اسمًا عظيمًا.
.jpg)

Comments
Post a Comment